قضايا وشواغل سودانية

الأربعاء,أيار 14, 2008


أولا: تعريف التأمين الصحي:

يعتبر التأمين الصحي إحدى صور التأمين الاجتماعي، على الرغم من اختلاف الباحثين حول تعريف موحد لمصطلح التأمين ، إلا أن جميعهم يتفقون على أن مفهومه لا يخرج عن كونه " وسيلة لتعويض الفرد عن الخسارة المالية التي تحل به نتيجة لوقوع خطر معين، وذلك بواسطة توزيع هذه الخسارة على مجموعة كبيرة من الأفراد يكونون جميعهم معرضين لهذا الخطر، وذلك بمقتضى اتفاق سابق" (1) وإنه كلما تزايد عدد المنتفعين بالتأمين كلما قلت تكلفة مجابهة الخطر وتكلفته الحقيقية.

ونستطيع القول بأن التأمين الصحي يمثل نمطاً في نمط من أنماط التأمين الاجتماعي، ولكن نشاطه قاصر فقط على مجابهة خطر المرض ، وهذا هو ما دعا كافة الدول النامية منها والمتقدمة هنا لتأخذ بنظام التأمين الصحي الذي يتخذ قاعدة توزيع الخطر على أوسع نطاق فيعم جميع مواطني الدولة الواحدة.

و نتيجة للنجاح الباهر الذي حققه نظام التأمين الاجتماعي الذي اتسع نطاقه على هذه الصورة، أخذت الدول بهذا النظام لتطبيقه على خطر المرض، فظهر نظام التأمين الصحي الذي تبنته كثير من الدول المعاصرة.

ثانياً: التأمين الصحي ليس هو الصحة:

إن التأمين الصحي من الموضوعات التي تنظمها التشريعات الاجتماعية والاقتصادية و تدخل في نطاق التخطيط الاجتماعي والاقتصادي، ذلك أن نظرية التأمين وتطبيقها على النطاق الاجتماعي لا تعنى البتة أن لها علاقة بالصحة ، فعلاقتها تكمن أساساً في أنها تعين المجتمع على توسيع تكلفة مجابهة الأخطار الاجتماعية على كافة الذين يتعرضون لتلك الأخطار وما المرض إلا أحد تلك الأخطار.

ولهذا فإن التأمين الصحي من المشروعات التي تنظمها القوانين الاتحادية وهذا يدخله في نطاق البند (ز) من الماد(110) من الدستور بصفته من المهن العامة المنظمة بقوانين اتحادية بالإضافة إلي أن معالجة الأوبئة والكوارث العامة (الممرضة) وتنظيمها بقانون اتحادى يدخل التأمين الصحي الذي يحاول أن يحل مشكلة مجابهة الأمراض كلها بكيفية محددة هي الكيفية التأمينية يدرج هذه المعالجة ، وذلك المشروع في البند (ف) من المادة (110) من دستور مشروعات مجابهة تلك الأوبئة والكوارث العامة. وهذه من الشئون الاتحادية وفقاً للدستور ومن هذا يتبين لنا أن التأمين الصحي لا يدخل في السلطات الولائية ، ولكنه يندرج داخل نطاق من السلطات الاتحادية.

وتكمن علاقته بالصحة عندما يبدأ الصندوق القومي للتأمين الصحي في ممارسة واجباتها المتمثلة في توفير الخدمة الطبية واتخاذ الأسلوب غير المباشر في القيام بذلك . أى أنه عندما يقوم الصندوق القومي الصحي"بشراء " الخدمة الطبية سواء من المرافق الصحية من وزارة الصحة أو من المرافق الصحية الأخرى في القطاع العام أو الخاص وسواء أكان ذلك من المرافق الصحية الاتحادية أو الولائية. وهذا هو أحد وسائل توفير الخدمة في نظم التأمين الصحي، أما الوسيلة الأخرى فتتمثل في أن ينشئ الصندوق القومي للتأمين الصحي المرافق الصحية الخاصة به وهذا الأسلوب هو ما يسمى بالأسلوب المباشر . ويتم الأخذ بهذا الأسلوب عندما يستوجب الأمر تقديم خدمه طبية متميزة وغير متوفرة عند الأخذ بالأسلوب غير المباشر وعندما يؤثر الاحتكار على مستوى الخدمة الطبية المطلوبة.

ثالثاً : التأمين الصحي جهازاً اتحادياًٍ:

وفقاً لنص المادة 110 من الدستور تتمثل ممارسة الصندوق القومي لسلطاته في التخطيط والتشريع والإنفاذ على أساس أن التأمين الصحي من المهن العامة المنظمة بقانون اتحادي في التخطيط كما يلى:

1) تحديد كيفية تسجيل المؤمن عليهم واستخراج بطاقاتهم العلاجية القومية.

2) تحديد كيفية تحصيل اشتراكات التأمين الصحي وإيداعها في حساب فرعى للحساب الموحد للصندوق القومي للتأمين الصحي في كل ولاية.

3) تحديد كيفية توفير الخدمة الطبية في كل ولاية .

أما السلطات الولائية في هذا الشأن فتتمثل في ما ورد في البند (ط) من المادة (111) من الدستور على أساس أن الإيرادات التنفيذية في التأمين القومي في الولايات سوف تقوم وفقاً للبند المشار إليه بما يلي:

أ/ تسجيل المؤمن عليهم واستخراج بطاقاتهم العلاجية.

ب/ تحصيل الاشتراكات.

ج/ توفير الخدمة الطبية في كل ولاية .

وذلك على أساس أن كل تلك الخطوات من المسائل الموافقة لقانون التأمين الصحي الاتحادي في الشئون ذات الخصوصية بالولاية.

رابعاً :التأمين الصحي نظام عدالة وتكافل:

ومن المبادئ المجازة في دستور جمهورية السودان ، ما جاء في المادة 11 منه بعنوان العدالة والمكافلة الاجتماعية، حيث نصت على وجوب مراعاة الدولة للعدالة و المكافلة الاجتماعية ،لبناء مقومات المجتمع الأساسية توفيراً لأبلغ مستوى العيش الكريم لكل مواطن وتوزيعا للدخل القومي عدلا بما يمنع التباين الفاحش في الدخول والفتن والاستغلال للمستضعفين وبما يراعى المسنين والمعاقين.

فإذا أردنا تطبيق ذلك على نظام التأمين الصحي تبين لنا:

‌أ. أن العدالة والمساواة في التأمين الصحي واردة لا محالة لأن العلاج لا يفرق بين المؤمن عليهم.

‌ب. أن اعتبار اشتراكات التأمين الصحي كمدخرات قومية (اتحادية) لمجابهة تكلفة تقديم الخدمة الطبية بموجب قانون الصندوق القومي للتأمين الصحي تتطابق مع مبدأ التكافل الاجتماعي الذي فرضه الدستور لان الاشتراكات تعيد توزيع هذه المدخرات على كل المؤمن عليهم بغض النظر عن موقعهم في البلاد.

‌ج. وإن هذا الاعتبار القومي لهذه المدخرات يؤدى إلى تحقيق العدالة بين المواطنين الذين انضموا إلى نظام التأمين الصحي في جميع أنحاء البلاد.