موازنة «2010»: معذرة توجد أخبار طيبة

عبد الله حسن عيسى: آخر لحظة
ليس من عاداتنا أن نتحمس كثيرا للأخبار الحسنة بينما لدينا نزعة قوية لبث كل الأنباء المنذرة أو السيئة وبسرعة مخيفة المسألة في الأول والآخرهي منهج التفكير في قضايا الوطن حيث يكون التقدم ناجما عن البحث عن الأمن وليس الخوف والغني وليس الفقر والثروة وليس الإملاق والرفعة وليس التخلف , والنصر وليس الهزيمة والقوة وليس الضعف وهكذا .
ولم يحدث في تاريخ البلدان أن تقدمت دولة أو أمة لأن لديها قدرة فائقة علي اجترار الألم والاحتفاء بالضعف والبكاء علي الأطلال الذي جعلته موضوعا للشعر والمعلقات والنظر باحتقار بالغ لكل من يبحث بين ثنايا الفقر عن عناصر الغني وما بين مواطن الضعف عن عوامل القوة وما بين ركام الإحباط عن إمكانيات الأمل فما يحدث في الواقع أن هناك علاقة جدلية بين كل المتغيرات الإيجابية والسلبية الجارية في السودان, وفي علم التغيير بورك دائما من نقب عن توجهات التقدم التاريخي وعمل علي دعمها وتصحيحها ودفعها إلي الأمام حتي يكون لها الغلبة والنصر وفي النهاية تحقيق ذلك التحول النوعي الذي ينقل بلدا من صفوف الدول النامية إلي جماعة الدول المتقدمة .
أقول كل ذلك تعليقا علي ما جاء في كثير من كتابات كُتَّاب المقالات والتقارير والأعمدة الذين استل كل منهم مثلا علي تدهور الأحوال الإقتصاية وجاء به من تقرير المراجع العام أو حالة التعليم أو الصحة أو العشوائيات أو إحصائيات الفقر أو ذلك الواقع المزري الذي دفع شباباً من طلبة الدبلوم ليستنجدوا بأصحاب العربات في شارع الجامعة ليدفعوا لهم رسوم الإمتحانات وكل ذلك للتدليل علي سوء الأحوال ولكن كل ذلك علي صحته لا يحل مسألة أو يغير بلدا ما لم نبحث في عناصر القوة الجارية لأنه في العادة ينتهي مثل هذا الحديـــث إلي مزيــد من الدعم الذي يستنزف الموازنة العامة ـ الآف الملايين من الجنيهات (بالجديد) من الإنفاق الاجتماعي ـ ثم ينتهي الأمر بان تبقي الأمور علي حالها أو تتحسن قليلا بقدر لا يغني ولا يغير من الأمر شيئا والأخطر أن نتيجة هذا المنهج يكون في معظم الأحوال سبيلا إلي الوقوف في وجه التميز والقوة والغني والفوز واعتبار ذلك كله فسادا وخللا رهيبا في الموازين لأن العدالة لا تعني أكثر من المساواة في الفقر والضعف .
هذه المقدمة كانت ضرورية لتبيان الجحود المتعمد و الجهل المعيب، و الذهول الفكري الذي يشبه الغيبوبة عن أدائنا الإقتصادي.
الغيبوبة عن ماذا؟ عن الأستقرار بل التحسن في الإقتصاد السوداني حسب ما تؤكده الأرقام في أداء موازنة 2009.
ومن هم الذاهلون؟ هم أولئك الذين يقومون بحماس شديد ببث الأنباء المرعبة حول الانهيار المحتوم للإقتصاد السوداني بسبب الأزمة المالية والاقتصادية التحمس الشديد للأنباء المرعبة كان حاجزا أمام معرفة الحجم الذي تأثر به السودان من الأزمة ومراقبة الفرص المتاحة منها للاقتصاد الوطني بحيث نقلل من كل الآثار السلبية علي التنمية لدينا.
وتعالوا نأخذ الموضوع كله خطوة بعد خطوة لكي نري صورة أداء ميزانية 2009 ليس للبحث عما إذا كانت سوداء أو وردية اللون وإنما لكي نراها علي حقيقتها كما هي دون تهويل أو تهوين لأن هاهنا سوف توجد أول بدايات الحساب والتقدير الصحيح فكما قال تشرشل منذ وقت طويل دعونا نضع الحقائق أولا ثم نشوهها بعد ذلك أي يضع كل واحد منا تفسيره لهذه المعلومات .
والحقيقة الأولي هي أن المؤشرات الكلية للإقتصاد القومي في 2009 تؤكد أنه قد أستطاع أن يتخطى المرحلة الحرجة التي برزت في بداية العام بمعدل نمو بلغ 5% ومتوسط تتضخم 10-11%.
والحقيقة الثانية في مجال السياسات النقدية والتمويلية كان الحل السوداني ناجعا بتضافر الجهود والتنسيق بين وزارة المالية وبنك السودان المركزي مما أضفى تجانسا تاما بين السياسات المالية والنقدية والمتمثل في إدارة السيولة بالقدر المتوازن الذي يحافظ على الإستقرار الإقتصادي والتعويض عن إنخفاض الإيرادات البترولية بالتوسع النقدي المتوازن الذي يقي بحاجة النشاط الإقتصادي وإستقراره في تحقيق النمو المطلوب مع تفادي الضغوط التضخمية. وإعادة جدولة سداد السندات والأوامر المستديمة والإستمرار في تمويل القطاع للقطاع الخاص وتنظيم عمل الصرافات مما أدى إلى المحافظة على إستقرار سعر صرف العملة الوطنية.
الحقيقة الثالثة رغم تدني أسعار البترول كان أداء الإيرادات العامة قويا حيث بلغ 97.4% وجاء ذلك نتيجة لسياسات الإصلاح الضريبي والمؤسسي وتكثيف جهود التحصيل حيث بلغ الأداء في الإيرادات غير البترولية 8236.8 مليون جنيه بنسبة أداء 101.6%.
الحقيقة الرابعة تم تحقيق تقدم كبير في مجال الإنتاج والتنمية حيث شهد العام 2009 إفتتاح محطة كهرباء سد مروي وزيادة التوليد الكهربائي ليصل 4183ميقاواط/ساعة. كما شهد العام إنتاج أول طائرة سودانية وتواصل تأهيل السكة حديد وتنفيذ مشروعات النهضة الزراعية.
الحقيقة الخامسة أن العمل في مجال مكافحة الفقر تركز في زيادة المنافع الإجتماعية من خلال برامج الدعم الصحي وتوفير المياه الصالحة للإنسان والحيوان وتوفير المخزون الإستراتيجي من الحبوب فيما أنشأ بنك السودان وحدة للتمويل الأصغر تعنى بتشجيع وتنمية صناعة التمويل الأصغر والتمويل ذو البعد الإجتماعي.
فما يبدو في الصورة السابقة هو عناصر القوة السودانية ولعلها لا تخفي أن ما وراء الصورة أو خارجها صورا أخري بائسة وتعيسة ولكن التغني بها واللعب علي أوتارها ربما يكون مريحا أو حتي يعطي دورا أو يسجل نقطة في خلاف سياسي ولكنه بالتأكيد لا يرفع أمة ولا يبني بلدا فما يرفعها ويبنيها هو كيف يمكن لعناصر القوة والغني أن تجذب عناصر الضعف والفقر إلي حيث تكون .
وموازنة 2010 علي واقعيتها وتواضعها تحمل في طياتها ملامح التحول التاريخي من خلال منهجية إعدادها بتحديد أهداف كمية واضحة تشكل أساسا للسياسات العامة والقطاعية مما يستدعي إستنهاض الهمم والعزائم لتحويل إقتصادنا من إستهلاكي إلى إنتاجي وإذا كان السودان دولة تحسب باعتبارها سوقا بازغة أو ناشئة فمعني ذلك أنك في أول درجات السلم الزاخرة بكثير من لحظات الاختيار المرهقة إما المضي الصعب في طريق الصعود إلي القمة التي لا يوجد فيها إلا الأقوياء والمتميزون والمبدعون والأغنياء أو التراجع إلي الساحة الفسيحة الممتلئة حتي آخرها بالفقراء والضعفاء والخائفين .
فعلى صعيد الإقتصاد الكلي تهدف الموازنة تجقيق معدل نمو قدره 6%، وحصر التضخم في حدود 9% والمحافظة على سعر صرف العملة الوطنية وزيادة حجم الصادرات وتنمية الإيرادات بنسبة 29%.
وفي المجال الصناعي والهندسي تستهدف موازنة 2010 الأكتفاء الذاتي من الزيوت النباتية والأسمنت والسكر وتأهيل وتشييد أكثر من 2500 كلم من الخطوط الحديدية ومواصلة العمل في تشييد 1291 من الطرق المستمرة وإضافة 900 ميقاواط للإنتاج الكهربائي.
وفي المجال الخدمي توسيع مظلة التأمين الصحي وتأهيل عدد من المستشفيات والمراكز المتخصصة.
على صعيد الإهداف القطاعية الكميةفي المجال الزراعي تستهدف الموازنة الإكتفاء الذاتي من الذرة واللحوم والأرز وتحقيق إكتفاء بنسبة 50% من الإنتاج المحلي لسلعة القمح. وزيادة إنتاج محاصيل زراعية أخرى مختارة بنسبة 7- 20%.
الأخبار الطيبة هنا أنه ستظل هناك حاصلات لها استراتيجية خاصة ما دام الإنسان حيا ومادامت هذه الحاصلات تمثل أهمية في غذائه وحياته اليومية . ولكن القول بإن زمن الحاصلات الاستراتيجية قد ولي ليس من الحكمة ولا من السياسة في شيء كما أن فتح الباب علي مصراعيه للمزارع بأن يزرع فقط ما يراه صحيحا مادام الوطن قادرا علي استيراد غذائه من الخارج يعد تحريضا غير عاقل


















